بعد غوصه العنيف والجذاب معا في سكوتلنده القلب الشجاع وفلسطين السيد المسيح، ها هو ميل جيبسون يقدم لنا ملحمته العنيفة والجذابة الجديدة أبوكاليبتو في زمن وبلغة "المايا الأصلية"، والمايا حضارة قامت شمال جواتيمالا وأجزاء من المكسيك وهندوراس والسلفادور، بلغت أوجها سنة 700ق.م. وكان وصول الأسبان والأوروبيين إلى الأمريكيتين سببا في تدميرها. فما الذي يريده ميل جيبسون؟
ولماذا بعد أن يبلغ نجم التمثيل الهوليوودي الكبير القمة المترفة
ينجذب ويجذبنا معه إلى ملاحمه البطولية الدموية؟
يتصور الكثيرون أن الممثل عروسة خاوية يملؤها المؤلف والمخرج بالأفكار،
أما الممثلون أنفسهم، فكسائر المواطنين يمتلكون طبعا رؤية ما للعالم ومشكلاته، ولكن حرفتهم لا تمكنهم من طرح أفكارهم، وحتى اختياراتهم الفنية لا تعكس حقيقة رؤاهم طوال الوقت.. فهم لا يختارون الأعمال التي يشاركون فيها بكل حرية، بل هم كسائر المواطنين تروس في آلة إنتاج عملاقة لا تهتم بآراء عناصرها بل بأرباح مالكيها.. إن عمل الممثل من وجهة نظر السوق الفنية هي أن يمثل لا أن يطرح رؤاه.
ولكن جيبسون هو أحد الممثلين القلائل الذين حملوا خبرتهم لميدان التأليف والإخراج لنشعر معه بتمرد العروسة صارخة: "أنا كيان يفكر ويحس ولديه رؤية.. فاسمعوني!".. في القلب الشجاع طرح جيبسون رؤيته الحماسية العنيفة وتمجيده للبطل السكوتلندي القديم الذي يناضل من أجل شرفه، ورغم أنه لم يكن فيلم حركة عاديا يلجأ للتاريخ طلبا للتنويع في المناظر والأزياء فقط، إلا أنه لم يكن كافيا لكي يطرح جيبسون الإنسان رؤيته الحماسية العنيفة بعمق.
وبعد سنوات جاء فيلمه الصاخب المثير للجدل عن عذابات السيد المسيح مضمنا إياه خليطا من الحرقة والعنف والبطولية، وقد ناضل جيبسون نفسه لصنعه عكس توجهات إمبراطورية هولييود كلها.
ثم جاء أخيرا فيلمه أبوكاليبتو مسافرا بنا إلى عالم بدائي حار وبالطبع حماسي وبطولي وعنيف وشديد الإبداع والجاذبية أيضا.. حيث تحتل الصورة والموسيقى المساحة الأكبر وحيث لغة المايا لا الانجليزية هي لغة الفيلم، وجميع أبطاله من هنود أمريكا اللاتينية، مهاجما لا للمجتمع العبودي فقط.. بل لكل عالم فيه استعباد.. وطريقة صنعه نفسها تعكس محاولة جيبسون المستميتة للتحرر من النمط الهوليوودي الطاغي حيث يتم تهميش كل الأعراق غير البيضاء بشكل أو بآخر.
في البدء نعيش مع عشيرة بدائية تستوطن غابة ما، وبمجرد أن نشعر بالألفة مع شخصياتها حتى تأتي مجموعة أخرى توسعم تقتيلا واغتصابا ثم تأسر عددا منهم وترحل بهم إلى مملكة مجاورة من ذلك العصر -المايا- حيث تباع النساء ويساق الرجال للاستعباد ولتشييد الأبهة المعمارية، ويساق بعضهم -ومنهم بطلنا ومجموعته- إلى المذبح حيث الملك السفاح بارد الوجه، تهلل العامة مع شعوذة الكهنة ترضية لإله الشمس، ويقدم الأسرى قرابين بشرية.
وبنجاة بطلنا من موت محقق فإنه يندفع ليناضل بصلابة من أجل إنقاذ امرأته وطفله ورضيعه المولود في خضم الأحداث.. وهذه الصلابة اكتسبها البطل تباعا حيث التأكيد مرارا على ضرورة قهر المرء لخوفه بيديه.
ينجح بطلنا الشاب في إنقاذ نفسه وأسرته ليدخل بها الغابة التي ورثها عن أسلافه بينما سفن الغزاة الأوروبيين تتقدم إلى الشاطيء منذرة بظلم أكبر سوف يقع على الحضارة الظالمة.. وتأكيدا للعبارة التي صدر بها جيبسون فيلمه:
"ما من حضارة تداعت إلا وكانت تحمل داخلها سلفا عوامل انهيارها".
جميع العناصر الفنية في الفيلم تستحق الوقوف طويلا، ولكن يتقدمها جميعا ميل جيبسون نفسه الذي ضحى عن طيب خاطر بالتمثيل في هذا الفيلم أيضا لكي يعرض رؤيته بصدق كما نتلقاها.. مؤلفا مشاركا ومخرجا مبدعا، وقبل هذا وذاك.. متمردا يمجد النموذج البطولي في كل البشر سواء.

معلومات:
زمن الفيلم ساعتين وثلث/ إنتاج ديسمبر 2006/ تم التصوير بالمكسيك/ وقدحقق لدى عرضه بأمريكا 51 مليون دولار.
تم ترشيحه لأوسكار 2006 لأحسن مكياج/ أحسن مونتاج صوت/ أحسن ميكساج صوت.. وللأسف، لم يفز رغم إبداعه الصادق فإنه إلا في مهرجانين محدودين بأحسن تصوير فقط.