هل تذكرون حين كان عبد المنعم إبراهيم مع زينات صدقي في مستشفى الأمراض النفسية؟ هل تذكرون صدمتها حين وقف فاكتشفت أنه في نصفه الأعلى وقور ببدلة ولكنه في النصف الأسفل لا يرتدي إلا اللباس الشورت؟ هذا هو بالضبط ما أحسسته مع فيلم "300" بصراحة!

في البداية أنت في حالة رائعة.. يخطفك الجو العام وكأنك تسافر على جناحي التاريخ والأسطورة إلى عالم سحري.. صوت الراوي يحكي عن إسبرطة القديمة، تلك الدويلة التي ختمت على عصر النهضة الإغريقية ببصمة عسكرية لا تنسى.. الفيلم يأخذك هناك حيث يولد مواطن إسبرطة ليصير محاربا قُدّ من صخر.. تربية قتالية صارمة تقسو على الطفل كي لا يعرف الضعف أو الرحمة حتى مماته، ويتم تلقينه الصلابة وحرمانية الانسحاب والاستسلام.. وقبلهما طبعا.. الخوف.

ولكي يستحق الملك عرشه، فلابد من تربية أشد قسوة، وهكذا تربى بطل الفيلم الذي اجتاز اختبار الشباب وحيدا في العراء مقاتلا ذئبا عملاقا حتى صرعه، تمر السنوات ونرى الملك يدرب طفله نفس التدريب العنيف، ونرى زوجته التي تماثله في الثبات وقوة الشخصية من منطلق أن أمهات هؤلاء الرجال الصخريين حجريات مثلهم.

يأتي رسول بلاد فارس –إمبراطورية ذلك الزمان- ليلقي بالجماجم عند قدمي الملك ناقلا رسالة كسرى ومفادها أن اخضعوا كما خضع الجميع أو تبادون، فيجيبه الملك بأن إسبرطة ليست كبقية البلدان بما فيها الشعوب اليونانية الأخرى، كلمة من هنا.. كلمة من هناك.. قتل الملك الرسول!! ثم يلقي الملك كلمات نارية وكأنها اللحظة التي ينتظرها طول حياته لتأديب الفرس وحث اليونانيين الآخرين على اتباع طريق المواجهة والمجد وترسيخ قيم الشجاعة والحرية في العالم وفي التاريخ.

وينطلق الملك للحرب ومعه 300 محارب فقط ضد جيش الفرس وقوامه 120 ألفا (!!) رغم معارضة مجلس شيوخ العشائر –البرلمان- بل ورغم معارضة القوى الدينية والأسطورية التي تشاءمت بقراءة الطالع، فالملك لديه خطة ولا تنقصه الشجاعة ومعه خيرة رجال إسبرطة ممن يشبهونه في العضلات والبطولية، ولا يهمه بالتالي أن مجلس الشيوخ يمنع بقية المواطنين من الانضمام إليه.

وتدور خطة الملك حول إجبار جيش كسرى على ملاقاتهم في ممر ضيق بين الجبل والبحر كي يضطر الفرس إلى المواجهة بكتائب محدودة يفنيها الإسبرطيون تباعا.. وهنا بالتحديد يقف عبد المنعم إبراهيم ليظهر أنه المجنون لا الطبيب!

فالفيلم بكامله تقريبا يدور في الستوديو وبتقنية الكروما –مثل الفوازير زمان- والقتال ساذج لا يبهر إلا الأطفال، الخطب الحماسية تخنقنا، ممثلون لم يتم اختيارهم إلا لبروز عضلاتهم، وتصور العدو الشرقي عبيط أكثر من اللازم.. فالفرس هنا لهم ملامح زنجية -خلاف الحقيقة- يلبسون على الطريقة العربية بحيث يضمن الفيلم إثارة أكبر كم عداء عنصري كامن في القاعدة الشعبية الأمريكية المخدوعة دائما، كسرى الفرس أطول من أسطورة السلة الأمريكي عبد الجبار، جيشه يحتوي على خرتيت عملاق وسفاحين من الأقزام المقنعين.. ناهيك عن عدم منطقية الأحداث طبعا.

ففي المدينة هناك محاولات الملكة لإقناع المجلس بدعم المحاربين بالرجال (بما يذكرنا بحملة بوش لإقناع الكونجرس بدعم حروبه القذرة)، وهي في سبيل ذلك تسلم جسمها لأبرز قادة المجلس (!!) ثم ترتد عليه وتقتله ثم نكتشف أنه أساسا من عملاء العدو!

ما الذي حدث إذن لينهار فيلم بدأ بداية موفقة؟ لا شيء غير أنه كشف نفسه وهدفه الحقيقي بطريقة عكست ضحالة فكره وقذارة مراميه معا.

فالفيلم لم يصنع كاستجابة وجدانية لموضوع له أصل تاريخي -تم تشويهه طبعا- وهو انتصار الإغريق على الفرس عكس كل الحسابات وقتها، ولكنه مجرد استثمار منحط للحظة حرب تخوضها الطبقات الحاكمة في البلدان الغنية -تحت قيادة اليمين الأمريكي المتطرف- على كل الغلابة في العالم ممن ساقتهم أقدارهم الرهيبة إلى التواجد في مناطق نفوذها وأطماعها، وصدى للصفعات المتتالية التي يتلقفها الجنود الأمريكيون في أفغانستان والعراق والصومال، وتعبير عن الذعر من قدرات إيران النووية والشعبية، وتحقير للآخر في الشرق والذي كان فيما مضى عدوا سوفييتيا وصار عدوا إسلاميا وسيصبح غدا عدوا صينيا.. وإعلاء فارغ من شأن الشخصية القومية الغربية باعتبارها حارسة لقيم التحرر والديمقراطية والحضارة.. واستثمار لبكاء الثكالى والأرامل على الشباب الأمريكي المخدوع تحت ستار رفع الروح المعنوية للشعب والجيش، وتقارب مع القيادة السياسية والسلطة الاجتماعية التي تلهث وراء دعم الجماهير والبرلمان لمخططات بوش الدموية.. وتعبئة للشعب على ضلال.
وهكذا تتلاقى في هذا الفيلم الوضيع الرغبات الضالة لمنتجين وموزعين يصيدون في المياه العكرة جنيا للأرباح بأهداف السياسيين والاقتصاديين السفاحين الذين لا يعرفون -مثل رجال إسبرطة القديمة كما صوروهم هنا- لا رحمة ولا شفقة.