Thursday, February 04, 2010

في رحاب المسرح

شكر في مبتدأ الكلام:


اسمحولي أولا أن أشكر ملتقى الشارقة السابع للمسرح العربي ودائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة على هذه الدعوة الكريمة، والمزيد من الشكر على نص الدعوة الذي ينم عن ذوق رفيع واحترام ملفت للنفس وللغير. شكرا جزيلا لكم، وإنه لشرف حقيقي لي أن أقف بينكم الآن لأعرض تجربتي المتواضعة معبرا عن نفسي، متمثلا جيلي قدر الإمكان، وممثلا لبلدي ولو بشكل غير مباشر، وأتمنى مخلصا أن أكون على قدر هذه المسئوليات الشريفة.


ثم إنني أقدم شكري العميق للملتقى لاختياره لهذا الشعار الدال في دورته السابعة (المسرح والجمهور) ذلك أن أغلب الدراسات المسرحية يركز على ما يدور على الخشبة أو بالفضاء المسرحي، بينما يحتاج أنصار وأحباء المسرح اليوم إلى استكناه هذا الحبل السريّ الذي يربط المعروض على الناس.. بالناس أنفسهم.


ليس كلُّ قديم زائلا


ظهرت السينما للوجود منذ أكثر من قرن لتطرح سؤالا وجوديا على الفن المسرحي برمته: (هل يموت المسرح الآن؟) ولكنه لم يمت. وقبل انتصاف القرن العشرين تحرش التلفزيون الوليد بالمسرح وأعاد طرح نفس السؤال: (هل يموت المسرح الآن؟) ولكنه صمد. والآن ونحن نخطو بتوتر في مستهل العقد الثاني من القرن الجديد وسط عالم متغير شديد القسوة والتعقيد يتم طرح نفس السؤال من حلف فنون الشاشة والذي ضم إلى جانب السينما والفيديو كلا من الكمبيوتر والإنترنت. ولكن المسرح –في رأيي المتواضع- لازال قادرا على تجديد نفسه والحياة جنبا إلى جنب مع المنجزات التقنية الجبارة طالما استمر تجمهر الناس في الشوارع لمشاهدة شجار طريفا كان أو دمويا، أو لمتابعة أحد المختلين يأتي بما لا نتخيل نحن إتيانه، وطالما استمرت المشاركات الجماهيرية في الموالد والكرنفالات والأفراح والمآتم والمباريات ومسيرات الاحتجاج أو التأييد وكل ما يتماس بشكل أو بآخر مع عملية "مسرحة الحياة" إن جاز التعبير، سواء اتخذ هذا التجمهر شكلا فضوليا أو طقسيا أو تمرديا أو غير ذلك من أشكال، وأيا ما كان وراءه من بواعث.


ومع ذلك نحن لا نستطيع رهن وجود المسرح بضرورة توفر الحشد الجماهيري، فعروض مسرح الغرفة والمائة مقعد والجرن والمقهى والباص تنتمي كلها للمسرح بأصالة مهما قل عدد الجمهور، بل علينا أن نعترف –وربما نفخر- بأن الفعل المسرحي متحقق بالكامل حتى في حالة لاعب أراجوز واحد وطفل هو المشاهد الوحيد، حيث يوجد أمامنا عارض وعرض ومعروض له.


وطالما وسعنا أفقنا المسرحي هكذا فلنا أن نستمتع باستكناه طبيعة اللقاء المسرحي، أي العلاقة الحيوية بين العرض والجمهور سواء ذهب الجمهور إلى المسرح أو ذهب المسرح إلى الجمهور، وسواء كان العرض مجانيا أو بتذكرة، مخططا أو مرتجلا، وسواء كان العارض بشريا أو دمية، وسواء كان المشاهد متلقيا سلبيا أو مشاركا بشكل ما في مجريات العرض. يبدو لنا إذن أن المسرح سيعيش طالما ظلت حاجة الإنسان إلى معايشة حدث حي من خلال المتابعة المباشرة والتفاعل معه بصريا وسمعيا، أو بالقول والحركة حسب نوع الإطار المسرحي الحاكم لهذا التفاعل الآني بين ما نسميه مجازا "بالخشبة"، وما نسميه مجازا أيضا "بالصالة".


الخلاصة: إن هذه العلاقة الحية والمباشرة ليست فقط سر جاذبية المسرح وتميزه عن فنون الشاشة والمايكروفون، بل هي أيضا بوصلته وقارب نجاته وخلوده، وإذا كان أنصار المسرح وأحباؤه مهمومين بتطوير المسرح فلابد لهم في رأيي من الاقتناع بأن تطويره في هذه اللحظة التاريخية الغريبة ليس متوقفا أساسا على توفير المزيد من التقنيات المسرحية أو الغوص في متاهات السينوغرافيا والتعبير الجسدي للممثل أو الاعتصام بتقاليد الإبهار في عروض الكوميديا الموسيقية التي لازالت ناجحة عالميا أو عروض المسرح الشامل المعاصرة والتي تضمّن الشاشة في العرض المسرحي، نعم كل هذا –وغيره- هام وجميل، لكنه ليس ضامنا وحده لتطور المسرح، بل يرتبط هذا التطوير في تصوري ببعث الحيوية في العلاقة بين الخشبة والصالة أيا ما اتخذته هذه العملية من مسميات أو رمت إليه من مدلولات تدور كلها حول تحرير وعي ووجدان المشاهد المسرحي المعاصر، وحفزه على التعاطي مع قضايا عالمه المتغير، وإعادة النظر في كثير من المسلمات الاجتماعية والجمالية، والمشاركة في إعادة بناء واقع جديد ينطلق من اللحظة المسرحية ليمتد إلى ما بعد العرض وخارج الفضاء المسرحي كله.


تجربتي المسرحية:


البداية:


تعرفت أولا على المسرح السائد كغيري من أبناء مجتمعي من خلال التلفزيون الذي كان ولازال له الأثر الأكبر في اختزال الفن المسرحي في الكوميديا التجارية، حتى حدث أن التقيت بالمسرح الآخر في زياراتي لأوروبا وأنا مراهق في نهاية السبعينيات، فوقعت تحت تأثير السحر المسرحي حيث تشعر أنك تدخل معبدا لا قاعة أفراح، وحيث الحركات طقوس أكثر منها مادة للإضحاك، والكلمات موسيقى لا لغو ومهاترات، والإضاءة معمل إيحاءات لا مجرد مبررات للإنارة.. وهكذا عشقت المسرح.


وباندماجي في المسرح الجامعي كاتبا وممثلا ومخرجا مبتدئا تعلمت كيف تصنع العرض المسرحي وكيف تتفاعل مع جمهورك من الطلاب الذين يشاركونك نفس الهموم والأحلام، وتعرفت على مشكلة الرقابة على التعبير وعلى العجز عن تمويل العروض أحيانا، واستنفرت للدفاع عن مسرح كلية الحقوق بجامعة القاهرة -والذي شرفت بأن أكون أحد قادته وقتها- ضد الإدارة البيروقراطية حينا، وتدخلات السلطة السياسية أحيانا، والممارسات الفاشية من الجماعات الدينية المتطرفة ضدنا في مطلع الثمانينيات، ناهيك عن سخف أهالي الطلاب من أعضاء فريق المسرح الذين وقفوا أكثر من مرة عقبة أمام تجاربنا البكر بدعوى الخوف على أولادهم وبناتهم من المناخ المسرحي وما قد يجره عليهم من مشاكل دراسية أو أخلاقية.


كان المسرح الجامعي وقتها يمور باتجاهات ثلاثة أسميها على مسئوليتي: مسرح الضحك للضحك، مسرح الشجن المنفر، ومسرح التمرد.. الأول طموحه تحقيق نجاح طلابي مضمون، والثاني طموحه التعبير عن آلام جيله الشاب وحيرته، والأخير يسعى إلى الارتباط بجمهوره الطلابي عبر استفزاز طاقته المتمردة وتوجيهها نحو الثوابت والمعوقات.. ومن الفصيل الأخير أنا. وكما هو واضح فقد اختلفت الاتجاهات على طبيعة العلاقة التي تربطنا بالجمهور أصلا وهل هي علاقة التسلية المهادنة؟ أو الشجن المنفر؟ أو الاستفزاز البناء؟


قدمت أولى مسرحياتي "القضية بهية" مؤلفا وممثلا على مسرح كلية الحقوق وأنا في الثامنة عشر من عمري، ولأن العرض يدور في محكمة فقد تم استغلال الجمهور كحضور في قاعة المحاكمة، ثم قدمت "الغفير" مؤلفا ومخرجا وأحد أبطال العرض في سن العشرين وتجولت به داخل وخارج أسوار الجامعة، وقد حاولت في أولى تجاربي الإخراجية إدراج الصالة في العرض، فانتزعت جزءا منها أقمت عليه منصة إذاعة البيانات الرسمية المضللة، كما جعلت ختام العرض وابلا من الطلقات التي تنهمر من جنبات الصالة تأكيدا للروح الانقلابية في آخر العرض. وقد حمل هذان العرضان الركيكان جينات المسرح الذي سأسعى لتقديمه فيما بعد حتى آخر عروضي "اللعب في الدماغ" عام 2004 من حيث حضور الهم السياسي وتحدي القمع والثوابت والانحياز للإنسان الصغير ومزج الجد بالهزل والرقة بالعنف، والدفع باللقاء المسرحي بالناس إلى حافة شكل المؤتمر الجماهيري والمحاكمة العلنية.


وخلال تلك الفترة أسست مع أقراني الجمعية المصرية لهواة المسرح واعتبرها البعض أداة لتعريف الوسط المسرحي الاحترافي بهم، واعتبرها البعض الآخر –وأنا منهم- متنفسا لعروضنا الفقيرة المتمردة التي لا يمكننا تقديمها على المسرح الجامعي أو عبر مسارح الثقافة الجماهيرية التابعة للدولة. ثم حدث في عام 1987 أن شرفت بافتتاح مهرجان جمعية هواة المسرح للمونودراما بمسرحية من تأليفي وبطولتي هي "مرة واحد"، وقد دفعت في هذا العرض ثمنا باهظا لمسحة الغرور التي شابتني بعد نجاحاتي السابقة في المسرح الجامعي وجمعية الهواة، وتعلمت من وقتها أن للجمهور هو الآخر طاقة رهيبة يمكنها سحق الممثل المتردد أو المغرور على حد سواء، وتعلمت الإنصات لنفسية الجمهور ولو كان صامتا، واستبصار مكنوناته حتى لو لم أكن أبصره جيدا لوقوعه في المنطقة المظلمة، ولازمني منذئذ وسواسي القهري بشأن عملي وهو نقمة حينا ولكنه نعمة في أغلب الأحيان.


المسرح في الثمانينيات


كانت الخريطة المسرحية في الثمانينيات مقسمة إلى قطاع المسرح التجاري بعروضه الكوميدية التي تغازل المشاهد الخليجي الباحث في القاهرة عن المتعة السياحية العابرة وتغازل معه جمهورا من التجار والموسرين ممن يمكنهم الاستمتاع بعروض باهظة التذكرة تبدأ في متأخر الليل وتنتهي في بواكير الفجر، مسرحيات نمطية مهادنة لها ستار وبوفيه متجول أثناء العرض وتوليفة فنية ثابتة. وهناك من جهة أخرى قطاع مسرح الدولة بفرعيه: هيئة المسرح والثقافة الجماهيرية وقد صارا مستقرا لبيروقراطية خانقة وزال عنهما رحيق النهضة المسرحية التي عرفناها في الستينيات، قطاع جمهوره محدود الدخل مثله، آخذ في التحلل مع تحلل دولة الطبقة الوسطى وبزوغ دولة الانفتاح الاقتصادي، ومسرحياته يغلب عليها الشجن المهزوم الذي قد ينفر الجمهور أحيانا. وبالإضافة لهذين القطاعين الكبيرين هناك قطاع من هواة المسرح في الجامعات وفي الفروع المحلية لجمعية الهواة وخارجها ممن لا يجدون مساحة لهم على الساحة المسرحية الاحترافية، أو ممن تضيق بتجاربهم المشاكسة أروقة المسارح. ومن قلب هذا القطاع الأخير بدأت وزملاء من جيلي البحث عن صيغة جديدة يمكننا من خلالها تقديم أنفسنا ومسرحنا لجمهور نرتبط به عضويا كما حدث لنا مع المسرح الجامعي قبلها بسنوات قليلة، وبدأت تظهر أنوية مسرحية جديدة ستعرف فيما بعد بحركة المسرح الحر مثل فرقة السرادق للمرحوم صالح سعد والورشة لحسن الجريتلي وشباب المسرح للمرحوم حازم شحاتة وفرقة الحركة التي أسستها عام 1989 مع حفنة من زملائي لتكون بيتنا المسرحي ومستقرا لتجاربنا المتمردة، بعد عام واحد من بدء المهرجان السنوي الدولي للمسرح التجريبي الذي أطلقته وزارة الثقافة المصرية فنظرنا من نافذته على التجارب المسرحية الجديدة ليشتعل خيالنا بالرغبة في التجريب على كل مفردات اللعبة المسرحية وفي قلبها طبعا العلاقة بين الخشبة والصالة.


وفي عام 1989 خضت تجربة شديدة الأهمية في مشواري حيث شاركت ببطولة مسرحية "سكة السراية الصفراء" من إبداع المرحوم بهائي الميرغني والذي كان هو الآخر واحدا من ضحايا الكارثة اللعينة التي ضربت جيلنا في مقتل وأعني بذلك حريق مسرح بني سويف عام 2005 والتي راح فيها أكثر من 40 من إخواننا، رحم الله الجميع وأسكنهم فسيح جنانه. كان بهائي مغرما بمشروع توظيف العناصر التراثية في العرض المعاصر، فكون فرقة باسم الطيف والخيال وقام بتدريبي أنا ومجموعة العرض على تحريك خيال الظل ودمية القفاز لنقدم في باحة وكالة الغوري بحي الأزهر الشعبي أحد أهم العروض التي عاصرتها على الإطلاق حيث أعاد بهائي صياغة نصين ليونسكو ليصنع ثلاثة مستويات من التمثيل أولهم التمثيل البشري وثانيهم دمية القفاز وثالثهم دمية خيال الظل، وقد استفدت من كل شيء في هذا العرض، استفدت من خبرة العرائس ومن خبرة الغناء على الخشبة ومن خبرة التعامل مع جمهور شعبي في عقر داره حتى إن أطفال الحي كانوا ينادونني "جاد" -وهو اسم الشخصية التي كنت ألعبها- كلما رأوني داخلا أو خارجا من الوكالة.


وقدمت في نفس العام مسرحية "المزاد" من تأليفي وإخراجي كما شاركت ببطولتها، وكان أكبر التحديات وقتها هو موقع العرض حيث كان علينا أن نطوع قاعة مبنى جغرافيا القديم بكلية الآداب لكي تصبح قاعة شبه مسرحية، وكان المفتاح بالنسبة لي هو احترام المسافة الضيقة بين العرض وجمهوره الذي يجلس على المستوى صفر، فجعلت معارك السلاح الأبيض تدور على مسافة مترين من المشاهد، وانطلقت صرخات الهلع مع انتشار الدماء على قميص أحد الممثلين، وللحظات ظن البعض أنه دم حقيقي! ونجح عرض المزاد وسط جمهوره الشاب فتجولت به وتعلمت أن العرض الذي يتم تصميمه ليكون عرضا حميميا في قاعة قد لا يصلح للتقديم في إطار العلبة الإيطالية أو المسرح المكشوف ليس لأسباب سينوغرافية فقط، بل لأسباب تفاعلية أساسا. لقد كان هدفي الأصلي هو وضع الجمهور على مسافة قريبة جدا من الكابوس المسرحي الذي أعرضه عليه وأبث من خلاله رؤيتي لعالم مجنون بالقتل والاستعباد والوحشية، وقد خف هذا الأثر كثيرا مع توسعة المسافة بين الجمهور والعرض.


وفي العام التالي قدمت ديودراما بعنوان "الدبلة" بقاعة جغرافيا وكنت أسعى وقتها لتقديم كابوس آخر لشاب وزوجته من المثقفين المنهزمين في معركة السوق، ثم تجولت به هو الآخر عقب نجاحه ولكني حرصت على التعلم من التجربة السابقة.


تجربة جيل التسعينيات:


في سبتمبر من عام 1990 أطلقنا مهرجاننا الأول لفرق المسرح الحر، وقدم شباب جيلنا وقتها مزيجا من روح الهواية وملامح الاحترافية من خلال عروض لا تخلو من جدة وعمق، وعبر سنوات التسعينيات انفتح الوسط المسرحي –بتقدير أو بفضول بحت- على جيلنا اللامنتمي لمسرح الدولة ولا للمسرح التجاري البحت ولا لمسرح الهواة، وصار واضحا أننا جيل جديد لديه رؤاه التي يدافع عنها والتي تشتبك مع الواقع الوجودي والواقع الاجتماعي والواقع الجمالي أيضا. وخلال سنوات قليلة تم الاعتراف على مضض بحركتنا الوليدة المتمردة وإن اختلفت منطلقات تمردها مما مهد لوجود ثلاثة اتجاهات داخل حركتنا، وكان السجال هذه المرة أيضا حول العلاقة بالجمهور ولو بشكل غير مباشر، فقد رأت فرقة الورشة الاحتماء بالممول الأوروبي الداعم للثقافة المسرحية مع تقديم عروض مجانية، بينما أصرت فرقتي –الحركة- على الضغط لانتزاع أي جزء من الرقعة المسرحية التي يسيطر عليها المسرح الحكومي وحشر النشاط الأهلي في فم الدولة –إن جاز التعبير- مع فتح شباك تذاكر رخيص، وتردد اتجاه ثالث من عدة فرق بين الأطروحتين حتى حسم أمره في السنوات الأخيرة بتقديم مسرح متجول يتم بيع ليالي عرضه سلفا.


وفي تلك المرحلة مُنِّي مشروعي المسرحي بهزائم منكرة، فلا أنا استطعت تجنيد كل شباب المسرح الحر تحت مظلة الاتحاد المقترح للفرق المسرحية الحرة بالجمهورية للضغط من أجل انتزاع أي جزء من الرقعة المسرحية الحكومية، أو الضغط من أجل السماح بمسرح الشارع والمقهى (وهما من المحرمات التي تواترت على حصارها السلطات في مصر منذ صدور لائحة التياترات عام 1913 والتي بسطت يد السلطة على رقبة المسرح)، ولا نجحت في جذب أي تمويل يذكر لمشاريعي المسرحية الطموحة. وفي عام 1992 قدمت عرض حفلة للمجانين لليلة واحدة فقط هي كل ما أمكن تمويله بعد شهور من التدريب المضني! وتوارى مشروع عرض حفلة للمجانين والذي كنت أنوي فيه تأسيس العلاقة بين الجمهور والعرض من الفناء المؤدي لدار العرض حيث يدخل المشاهدون فيجدون المرضى النفسيين حولهم وكأنهم في فناء مستشفى الأمراض النفسية، وبمجرد دخول الناس قاعة العرض تتحول الخشبة والصالة لعنبر كبير محكم الغلق -وهو ما ستشتبك معه الدراما عبر العرض- مما قد يساعدني على إشاعة روح التوحد بهؤلاء المرضى الذين كنت أفسرهم باعتبارهم حالمين هزمهم الواقع الاجتماعي والسياسي، وهكذا نعيش معهم محبسهم وثورتهم وثورتهم المضادة واحتجازهم للطبيب ومفاوضتهم للإدارة بالخارج والتي لا تكف عن محاولة اقتحام العنبر، وكنت أتمنى أن أتجاوز ما تصورته في مونودراما قديمة ألفتها عام 1986 بعنوان "الراوي في مسرحية الليلة" تدور حول احتجاز الممثل الفاشل للجمهور في قاعة العرض كي ينتزع منه الاعتراف به!


متغير جديد هام.. الهناجر


كان لابد من حدوث شيء ما يبعث الأمل في مشروعي المسرحي وهو ما حدث في عام 1993 مع إنشاء مركز الهناجر للفنون والذي كانت له اليد البيضاء عليّ وعلى حركة المسرح الحر عموما بالرغم من التناقض المستمر بين رغبتنا العارمة في الاستقلال التام عن الدولة وبين وضعية الهناجر كجهة تابعة لوزارة الثقافة المصرية، ولم يحل هذه الإشكالية عبر السنوات التالية إلا وجود شخصية ليبرالية استثنائية على رأس المركز هي الدكتورة هدى وصفي التي استطاعت بصبر مذهل وتفان غير مسبوق جعل الهناجر ساحة نشطة للتعاون بين النشاطين الحكومي والأهلي، فضلا عما وفرته لحركتنا الشابة وقتها من الورش المسرحية الهامة التي تعلمت منها الكثير وأخص بالذكر الورشتين الفرنسيتين للمخرجين جون ميشيل بريير وميشيل كوكوزوفسكي وهذا جزء من كل كبير، تعلمت في الأولى أسس عمل الممثل وفنيات المهرج وكيفية السيطرة على الجمهور، وتعلمت في الثانية نبذة عن التعامل مع المادة المسرحية وتحويل النص المصمت إلى عرض حي. واستوطنت مركز الهناجر لأقدم تجاربي الأكثر أهمية في مشواري وهي عبارة عن عدد من المسرحيات التي شرفت بالتمثيل فيها فمنحتني اسما مسرحيا ملفتا وقتها إضافة إلى الثلاثية التي قدمتها مؤلفا ومخرجا لفرقة الحركة ومن إنتاج الهناجر ما بين عامي 1997 و2004 والتي سوف آتي لذكرها بشيء من التفصيل بعد قليل.


لدي أولا تجربتان عكسيتان في عامي 1994 و1996 أحب أن نتشارك في رؤيتهما الآن لما قد يلقيان به من ظلال على المسرح المدرسي –ولا نهضة مسرحية بدونه- وعلى تدريب الهواة.


في عام 94 دعيت لإخراج عرض الختام للعام الدراسي بإحدى مدارس الراهبات، وتحمست لأن يخرج العرض محملا بأنفاس التلميذات حتى تتجاوب معه زميلاتهن ممن سيشاهدن العرض، وربما كان طموحي لحظتها أكبر من قدراتي أو ربما عاكستني ظروف المدرسة نفسها التي أصرت على تهميش وقت التدريب المسرحي، المهم أني قدمت بالفتيات شيئا بشعا على المسرح افتقر إلى التنظيم والثقة فحق إسدال الستار عليه أثناء عرضه وهو ما حدث، وأسدلت الستار بيدي معترفا بهزيمتي المريرة في وصل الخشبة بالصالة في رباط حيوي، ولازلت أذكر أعين الفتيات الدامعة وقول إحداهن لي: لن أكرر هذه التجربة ما حييت!


مررت باكتئاب حاد ولكني تعلمت شيئا جديدا بخصوص تدريب الهواة وهو ما مكنني من قبول التحدي الجديد بعدها بعام حينما دعيت لإخراج مسرحية لفريق مسرح كلية الآداب جامعة القاهرة. ومن البداية طلبت من الشباب وقتا طويلا للتدريب، كما فتحت مساحة واسعة للارتجال لكي أطل على عالم الجامعة الذي يعيشه ذلك الجيل، وبدأت أكتب سكتشات متفرقة وأجربها مع الشباب حتى تكامل نص "الميلاد" وقدمته لإدارة الجامعة فاصطدمنا لاعتراضها على كل المشاهد تقريبا، وانسحبت من التجربة كاسبا نصا جديدا ستكون له أهميته في مشواري بعدها، كما استطعت تطوير أدواتي في تدريب الهواة وتجديد خيالي بما أنصت له من قصص ويوميات جيل أصغر مني.


وفي عام 1996 أمكنني أن أثأر لنفسي من فشل عرض مدرسة الراهبات وبتر تجربة الميلاد بالجامعة حين دعيت من أحد نوادي الروتارأكت -أو شباب الجمعية الخدمية المعروفة بالروتاري- لتقديم عرض بشباب النادي لرفاقهم في ختام النشاط الرمضاني. التقيت بالمجموعة وأفهمتهم أننا سنأخذ المسار الصعب حيث الجدية التامة والتدريب الشاق رغم أننا سنقدم عرضا خفيفا، وهكذا قدمنا ما سميته بالفزورة المسرحية وكان عنوان العرض "سر المهنة" وهو عبارة عن سكتشات متتالية لا رابط بينها إلا المهنة التي يفترض أن يخمنها الجمهور جريا على تقاليد الفوازير الرمضانية، ونجح عرض هؤلاء الشباب الهواة وسط جمهورهم وصرت جاهزا للمضي خطوة للأمام.


قدمت نص الميلاد لمركز الهناجر للفنون وقد صرت أحد أوجهه التمثيلية الواضحة منذ إنشائه وعلى مدار أربع سنوات قدمت خلالها أدواري التي أعتز بها في مسرحيات عربية وعالمية لشكسبير وأرثر ميللر وهارولد بنتر وسعدالله ونوس وغيرهم من المؤلفين العظام، وقد أخرجها زملائي بتميز واضح وأخص بالذكر منهم محمد أبو السعود وحسن الوزير وعفت يحيى.


ثلاثيتي في الهناجر


قدمت بفرقة الحركة ومن إنتاج الهناجر ثلاث مسرحيات من تأليفي وإخراجي وتمثيلي جربت فيها كل ما استطعت تجربته من العمل على النص منفردا أو مع ورشة كتابة، المشاركة في تصميم الإضاءة والألحان المسرحية، تجربة وسائل بدائية أو ذكية للدعاية، وإدارة فريق عمل كبير والارتباط بالجمهور بتوزيع استمارات استبيان عليه وجمعها منه وتحليل آراء الناس وتوجهات الرأي العام.. نعم استطعت بالهناجر وعبر هذه العروض الثلاثة أن أجرب كل شيء يمت للمسرح بصلة.


كان الميلاد عام 1997 تجربة شاقة وهو أول هذه الثلاثية التي أشرت لها منذ قليل، كان طموحي أن أكثف حوالي خمسين عاما من تاريخنا السياسي والاجتماعي في عرض منفتح على الجمهور لدرجة دمجه فيه، أردت تقديم سكتشات بلا صلة ظاهرية ولكنها تترابط في ذهن الناس على مدار العرض وكأننا قمنا بمسح شامل لكافة المؤسسات الاجتماعية والسياسية في مجتمعنا واصطدامها بطموحات الإنسان الصغير. وهكذا استبحت كل زوايا الصالة وجعلت الممثلين الاثنين والعشرين يداعبون الجمهور تارة ويتشاجرون وسط الجمهور تارة، يخرجون بالمظاهرات من قلب الجمهور بل ويعرضون عليه بضاعة الباعة الجائلين في أحد المشاهد، وصولا للمحطة الأخيرة من العرض حيث يندمج المهرجون بالجمهور وهم يغنون معه ويحفظونه أغنية الختام المتحدية الساخرة على لحن لشابلن في فيلم العصور الحديثة:


الدنيا دي بطيخة من حظك لو كات حمرا


أما لو طلعت قرعة إياك تسكت وتنخ


ومادام العالم صايع ونظامه هو الفردة


إفرد نفسك في الشدة واديها شوية مخ!


ونجح الميلاد نجاحا كبيرا بتوليفته التي تبلورت في ذهني على مدار أعوام وأقصد بذلك حس الكباريه السياسي والاجتماعي مع مسحة الكوميديا السوداء، مع البطولة الجماعية ومزج فنون الأداء المختلفة، وإدماج الصالة في العرض وخلق فوضى ظاهرية يكمن خلفها تخطيط محكم، وتدريب الممثلين على الارتجال في مساحات محسوبة، ومشاكسة الرقابة، وما إلى ذلك من سمات للمسرح الذي أحببت تقديمه قبل وبعد الميلاد.. هذا العرض الذي أدين له بالكثير.


وفي العام التالي 1998 قدمت تجربة شديدة الصعوبة هي "أنطوريو وكيلوبطة!" حيث قررت أن أبدأ من حيث انتهيت بالميلاد، أي بعد تحول الممثلين إلى مهرجين لهم أنوف حمراء ويرتدون ملابس عجيبة ويستدعون الروح الطفولية في المكان وفي أعماق الجمهور. وكنت قد رشحت بفرقة الحركة من قبل الهناجر لتمثيل مصر في مهرجان ديونيزيا بروما والذي تتنافس فيه فرق شابة من حوض البحر المتوسط، ففكرت في عرض للمهرجين يفسر لنا التاريخ بطريقة جديدة تضحكنا ظاهريا ولكنها أيضا تبث فينا نوعا من الوعي النقدي الذي قد نحتاجه لمواجهة تيار العولمة الرأسمالية المتصاعد. وهنا أصبحت الصالة جزءا لا يتجزأ من العرض، فمن اللحظة الأولى نحن أمام عمال المسرح –المهرجين- الذين يضطرهم منتج العرض لإنقاذه بأي ثمن حيث غاب أبطاله والحفلة مباعة، ومن قلب هذا التوتر الساذج تحدث عملية مسرحة للجمهور وبث روح الطفولة فيه مع استمرار لعب الممثلين معه، ويجري أيضا فك وتركيب الحكاية التاريخية الرومانسية لأنطونيوس وكليوبترا لتصبح مجرد قصة صراع سياسي بين مشروعين أحدهما هو حلف العاشقَيْن والثاني هو غريمهما أكتافيانوس الذي يحكم قبضته في ختام العرض على العالم القديم وهنا يمسح المهرجون مساحيقهم ويغنون بجدية وهم يمسكون بأيادي الجمهور على أنغام كورالية بتهوفن الشهيرة طلبا لعالم أخوي مضاد لعالم السطوة والاستبداد وكأنهم يشكلون مع الجمهور وقفة احتجاجية باسمة. وقد استفدت كثيرا من تقديم نفس العرض على جمهورين مختلفين الأول في روما والثاني في القاهرة بعد ذلك، فقد تعلمت أخيرا فضيلة التكيف المسرحي والتي لم أصل إليها إلا بعد سنوات من التجربة والخطأ. وهاكم مثالا واحدا:


كان المخطط هو أن يأتي الجمهور للقاعة فيجدون المهرجين يمارسون مهامهم اليومية كعمال بالمسرح، ولكن حدث شيئان خطيران ليلة العرض بروما، الأول هو هطول المطر وكنا نعرض بمسرح مكشوف، والثاني هو تواجد الجمهور على مسافة بعيدة من المسرح لمتابعة عرض جرى في موقع بعيد نسبيا داخل نفس المنتجع، ووقف الممثلون متسائلين بحزن: ما العمل؟ ولم أكن مستعدا للهزيمة أمام الطقس ولا أمام البعد الجغرافي بين الجمهور وموقع عرضنا فقلت للممثلين: الجمهور بعيد ومسئوليتنا إحضاره، والمطر منهمر وواجبنا إلهاؤه! وهكذا اندفعنا بكل حماس وعدونا مسافة كبيرة لاستحضار الجمهور قبل انفكاكه واستسلامه لرداءة الطقس، وظللنا نلعب معه ونداعبه ونغريه بالقدوم معنا والاستمتاع بالمطر في جو المهرجين، ونجحنا.. وحين عدنا لمصر أدرجت هذه الافتتاحية في العرض ولكني طوعتها لخدمة مسرح الهناجر فكنا نخرج يوميا لملاقاة الجمهور وحثه على الولوج لقاعة العرض ونحن نغني له ونلعب معه وكانت بداية جذابة تمهد الجمهور للعالم الغريب الذي سيلاقيه بعد برهة.


وخلال الأعوام القليلة التالية تجاذبني أكثر من مشروع مسرحي ينبنون جميعا على محاولة تطوير العلاقة بالجمهور، أولهم الحروب الصليبية على طريقة المهرجين أملا في إعادة قراءة التاريخ من أعين البسطاء المقهورين شرقا وغربا، وثانيهما هو انتفاضة الأقصى بأسلوب يخلط الملحمية بالتسجيلية في قالب المؤتمر الجماهيري الذي يبحث عن حل فوري للتضامن معها، وثالثهما موريستانيا وهي دولة صغيرة متخيلة تتورط رغما عنها في مواجهة مع الامبراطورية الرومانية وهو ما سيجر العرض بالتدريج إلى صيغة المؤتمر بحثا عن إجابة عن سؤال العرض: هل الحل في المقاومة أم في الاستسلام؟


أثناء ذلك كنت أخطو للأمام ببطء شديد كممثل، ولكن خبراتي كانت تتعمق حيث كان لي مثلا شرف العمل مع اثنين من المخرجين المهمين: الأستاذ سمير العصفوري والأستاذ مراد منير، فقدمت مع الأول نصا للمؤلف المبدع ميخائيل رومان، ومع الثاني نصا للمبدع سعدالله ونوس، وقد استفدت كثيرا من الوقوف على خشبات هيئة المسرح لما قابلته من جمهور أعرض وأكثر تنوعا من الجمهور الذي تأقلمت معه في بيتي المسرحي الهناجر. ثم قدمت عام 2003 حلم ليلة صيف لشكسبير مع المخرجة السويدية إفا برجمان، وقدمنا العرض في مصر وفي السويد وكان هذا أيضا إضافة كبيرة لي حيث تابعت عمل السيدة برجمان وفريقها الذي يعمل معها منذ سنين، ولأنهم اختصاصيون في تقديم العروض لمرحلة سنية محددة هي المراهقة فقد ركزت على متابعة العلاقة الحيوية التي تربطهم بجمهورهم، وتبنيت من يومها المصطلح الذي أدخلوه إلى قاموسي وهو "بناء الجمهور" أي إقامة صلات دائمة مع قاعدتهم الجماهيرية من منطلق تتجاور فيه الاعتبارات الإنتاجية والفكرية، وهو ما حاولت أن أطوره في تجربتي اللاحقة والأهم في مشواري على الإطلاق.. "اللعب في الدماغ".


مع تجمع نذر الحرب على العراق تحركت مشاعري في اتجاه عرض يفضح الدعاوى الاستعمارية ويكشف التواطؤ العربي ويحمل الإعلام نصيبه من التزييف ويربط ما بين الفساد السياسي والاجتماعي والثقافي فاستقريت على إطار البرنامج التلفزيوني الذي نطل منه على المجتمع المصري وعلى الواقع العربي والعالمي، وقادني هذا التصور إلى افتراض علاقة جديدة مع الجمهور. بدأت من كافيتيريا الهناجر مرة أخرى حيث يستقبل بعض المارينز الجمهور الوافد ويقومون بتفتيشه والتسخيف عليه بطريقة تمزج الدعابة بالمرارة بينما أحد الممثلين يمر بلافتات تحذر الجمهور من مواجهة المارينز، ثم أضفت مشهدا مخادعا يدور في الكافيتيريا حيث يشتبك المارينز مع عامل وعاملة نظافة فتنطلق الرصاصات في المكان ويتم اضطهاد الجميع وزجر الجمهور ليدخل القاعة دون مقاومة، وبالداخل يوضع الجمهور في موقف صاخب حيث موسيقى الراب والرصاص المتقطع والأضواء الماسحة وشاشة تنقل لنا ما تلتقطه الكاميرا فوريا من ردود فعل الناس، وبمجرد جلوس الناس في هذه الوضعية الموترة يتقدم المنتج المنفذ للبلاتوه ليمسرح الجمهور بوضوح حيث يعامله معاملة كومبارس برامج التوك شو الذين يصفقون ويضحكون بالأمر وبالنقود! ويجري العرض من هذا المنظور حيث تستضيف الإعلامية الشهيرة الجنرال توم فوكس الذي يدافع عن استعمار العرب، ويساهم في اختيار القصة الفائزة من قصص الجمهور وهكذا يتم تقديم قصة اجتماعية سافلة تدور بين صديق وصديقه وزوجة الصديق في تواز مع الفساد الشامل الذي نعيشه عبر العرض، وكلما انقطع البث رأينا الوجه الحقيقي للجميع وبمجرد عودة البث يعود التجميل والنفاق، يخرج الممثلون من قلب الصالة حينا بطريقة تفاجيء الجمهور فعلا، ويدعى الجمهور للتعاطي بوضوح مع العرض في أكثر من موضع بل ويصطحب أحد الممثلين كل ليلة مشاهدا من وسط الناس لتقليب قنوات التلفزيون أمامنا لنعرض عليه كيف تتضارب المحطات في نقل خبر واحد هو احتلال مدينة أم القصر! وهكذا. ونجح العرض نجاحا استثنائيا على الهناجر ثم قدمناه على مسرح مكتبة الإسكندرية ثم على مسرح بيكولو تياترو بميلانو فاهتممت بترجمة كل كلمة على شاشة أعلى البروسينيوم مراهنا على أن هذا العرض سيجد جمهوره من الشباب المعارضين للحرب، وقد كان، ونجح العرض في ميلانو.


كان اللعب في الدماغ آخر ما قدمت للمسرح قبل أن أنقل ثقلي بالكامل إلى الميدان السينمائي ممثلا -ومشاركا في الكتابة مؤخرا- ولكني لم أطلق المسرح، إنني فقط أتحين الوقت المناسب لتقديم تجربة مُشْبِعة أعكس فيها ما تعلمته عبر السنوات من كافة الميادين وأنفتح من خلالها على تعلم المزيد.


وفي الختام


هل من مقولات ختامية أخلص إليها الآن؟ بالقطع لدي خلاصات وصلت لها بعد هذه السنوات في رحاب المسرح، ولكني تعلمت أنه لا توجد أمور نهائية وأن كل شيء مطروح للبحث وإعادة النظر والتجريب دوما، ومع ذلك هناك في تجربتي ما أحب أن أعرضه للتأمل:


نحن نتحدث عن المسرح والجمهور، ولكي يمكن للمسرح أن يطور نفسه فلابد له من تطوير علاقته بالجمهور، ولكي يحدث هذا لابد من زرع المسرح في النفوس من الصغر، من مسرح المدرسة ومسرح الحي والتلفزيون. النشاط المسرحي ضرورة للطفل كالدراسة وكالرياضة، وكل طفل لابد وأن يمر بتجربة التدرب على مهمتين: الخشبة، والكواليس. سيتعلم من الأولى مواجهة الناس والتعبير عن نفسه، وسيتعلم من الثانية قيمة الوقت والدقة، وسيتعلم من الاثنين معا قيمة العمل الجماعي وسوف يرق مزاجه لتذوق الفنون. إذن ليس المطلوب حشد الأطفال لمشاهدة مسرحية بلهاء كل عام، بل زرع عملية حب المسرح واحترامه عبر حصص منتظمة طوال العام يخرج منها الأطفال بعرض ختامي يكون ثمرة العمل الجماعي الطويل.


ومن جهة أخرى لابد أن يكون بكل حي مسرح ولو صغير، وبارتباط المسرح بمحيطه سيتعلم الناسُ المسرحَ وسيتعلم المسرحُ من الناس أيضا. وهكذا وبدفعة تمويلية من الدولة في البداية سيعيش المسرح وسط ناسه وبتمويل أهلي لاحقا، وهكذا يضبط المسرح والجمهور إيقاعهما معا وبشكل منتظم، مع فتح الفرصة للمواهب الشابة لأن تبرز مهما كان حيُّها نائيا.


ومن جهة ثالثة، لابد من أن تذيع القنوات التلفزيونية المملوكة للدولة أنواعا مسرحية جذابة وبها قيمة فكرية وفنية، لابد من كسر الوهم المنتشر بأن المسرح فن التفاهة وهذه مسئولية إعلامية بامتياز.


فإذا انتقلنا للمسرح الجامعي فلابد من دعمه باستمرار، على أن الدعم الأكبر الذي نقدمه لشباب المسرح الجامعي هو نزع الرقابة الفكرية التي ربيناهم عليها وهم أطفال، فما كان واجبا في الطفولة صار خطأ فادحا في الشباب المبكر. هل معنى هذا أن الشباب الجامعي سيدمر نفسه وبلده إذا نزعنا عنه الرقابة؟ إطلاقا! فالعلاقة الحميمة بين المسرح الجامعي والبنية الطلابية التي تحيطه ستعدل وتهذب الاتجاهات "المارقة" "والماجنة" وحدها وبآلية ديمقراطية جدا، إن الرقابة الاجتماعية أقوى وأعدل بكثير من الرقابة السلطوية، فلا أحد يقبل العيش محتقرا أو منبوذا من كل محيطه وإن قابل احتقار -بل وقمع السلطة له- بفخر بالغ!


إذا كنا نريد شبابا إيجابيا ملتزما فعلينا في رأيي عمل شيئين في الجامعات: إدارة ذاتية من الطلاب لشئونهم، ونزع الرقابة السياسية والفكرية عنهم، وسيكون المسرح مهما هنا لأنه سيكون إحدى مجسات الرأي العام في الجامعة وهو ما سيوفر للمسئولين التعاطي بجدية مع اتجاهات الرأي هذه من خلال إجراءات وفعاليات بناءة على الأرض لا من خلال اختزال الأمر في مسرحية يتم منعها وجريدة تتم مصادرتها بينما "الأفكار الهدامة" "والمشاعر الخطيرة" تجوب أروقة الجامعات بحرية تامة!


المسرح والجمهور موضوع متشعب ولكنه في رأيي البداية السليمة للنظر في المسألة المسرحية من زاوية ديناميكية، أعيد الشكر للملتقى على طرحه لهذا الأمر الهام كمظلة لهذه الدورة، أتمنى أن أكون قد عرضت ما لدي بوضوح ومنطقية، وأتمنى لحضراتكم جميعا كل توفيق في تقديم رؤاكم وجهودكم فيما يفيد الإنسان العربي والإنسانية كلها. ولحضراتكم جميعا كل حبي واحترامي.


مرفقات أتشرف بإهدائها لمكتبة الملتقى ولأرشيفها:


- نصوص مسرحية:


اللعب في الدماغ/ أوبريت الدرافيل/ حفلة للمجانين/ المزاد/ الدبلة/ الراوي في مسرحية الدبلة/ مرة واحد.


- أوراق مسرحية:


فرقة الحركة/ تجربة اللعب في الدماغ/ كيف تعيش ليزيستراتا اليوم؟/ نحو تحرير المسرح.

5 comments:

مصطفى محمود said...

تجربة ثرية
ومثل هذه التجارب هي ما يصنع فنانا حقيقيا
وفوق ذلك انسانا حقيقيا أيضا

أنا من عشاق المسرح وأرى أن الممثل الحقيقي هو الممثل المسرحي وكم من الفنانين الذين بدأوا من التلفزيون أو السينما عندما ذهبوا إلى المسرح
فكأنهم مبتدأون

ولكن لي ملحوظة مهمة
كثيرا ما شاهدت العروض المسرحية في الجامعة ولي أصدقاء ممثلون
ولكن للأسف يعتمدون جميعا على الصوت العالي الذي يصم الأذن وعلى حركات تطويح الأطراف المبالغ فيها
وهذا هو مضمون التمثيل المسرحي عندهم

وأتسائل متخوفا
أليس هؤلاء هم ممثلي مصر القادمون؟
فكيف سيصبحون بعد عشر سنين مثلا
وأرى أيضا أن الثقافة الحقيقية هي ثقافة الحياة
فشكسبير وموليير والشرقاوي وسعد الله ونوس موجودون ومهمون حقا
ولكن مواقف الحياة بتجاربها الثرية غير المتكررة وشخصياتها الملهمة
لن تتكرر
وهي ما تثقل موهبة أي فنان حقيقي

وأخيرا
المسرح له قدسية كما تفضلت وقلت
وقبل أن يتعلم الممثلون كيف يؤدون أدوارهم
ليتعلموا أخلاقيات الفن واحترام قدسية وجلال هذا الفن العريق

معذرة للاطالة أستاذ خالد
وشكرا على فتح تلك المساحة الجيدة للنقاش

تحياتي

وينكى said...

صباح الخير يا سيدي الفاضل
اتمنى ان تكون بخير حال وسعيدة بالمقال الطويل ده
حقيقة ماعنديش حاجه اضيفها للموضوع بعد تشريحه بالشكل المنطقى ده خلال رحلة كفاحك المسرحية
كواحدة عاشت أجواء المسرح في الجامعة ولازالت على صلة بالجو ده بشكل او بآخر احب اقولك للاسف الموضوع بيزداد سوءا
المشكلة دلوقتى مابقيتش رقابة وقلة تمويل وضغط الاهالي وبس
دا زاد عليها ان القائمين على توجيه النشاط المسرحي ودعمه فى الكليات مالهمش فيه
يعنى موظفين كل همهم انهم يطبقوا لوائح روتينية (منزلة) من ادارة الكلية وبيستميتوا فى تطبيقها والدفاع عنها كانها صك دخول الجنة الحكومية
المسرح الجامعى دلوقتى يبعث على الاحباط حتى لو كان فيه فئات متمردة بتحاول تقول حاجه وبيشتغلوا صح
دعنى أؤكدلك ان الشباب دلوقتى محتاج للمسرح المتمرد اكتر من اى حاجه تانيه
الجمهور دلوقتى اللى بيتهموه ظلما انه عاوز الكوميديا الهايفة والعري بيدور على اللى يحترم عقله بجد ويوريله الحقيقة الممثلة على خشبة المسرح
وبيتسابق انه يفك رموز المسرحيات دى ويستشف اسقاطاتها على الواقع الأليم
أعتقد ان المناخ ده مناسب جدا للمسرح المتمرد انه يبدع ويقدم حاجات جديدة
فيه اعمال كتيره جدا مش محتاجه تمويل قد ماهى محتاجه ايمان وحب للفكرة وبين طاقم العمل وبعضهم والاحترام الكامل لعقلية الجمهور
بس بمجرد ما النية تتوافر لبداية عرض جديد بتلاقى كل السكك اتفتحت
انا فى انتظار العمل الحر الجديد اللى هاسميه مجازا ( عرض الخلاص)اللى هايرجع التوازن المسرحي من جديد على الساحة الحالية
متأسفة للإطالة لكنى من اكبر المهتمين بالفن الهادف وتوظيفه الصحيح

شكرا ولك منى كل تحية

Zeina Ramadan said...

Khaled.
It was weeks ago since I last read or heard Arabic so it was good to find this paper, thanks. It’s an exciting and honest description of your rich experience of the theatre. There’s much we can learn from it.
Do you know Eva. She’s now preparing a theatre called “Jerusalem 2010” about a peace agreement between Palestine and Israel.
Despite the fact that we lose a dimension when we watch a recorded theatre, it would be nice to see your theatres, (I’m mainly thinking of those which haven’t been available on Internet before). Only if that’s possible, it’s just a wish.
(I’M VERY SORRY).
Zeina.

rooney said...

السلام عليكم

تسلم يا استاذ خالد على هذه المعلومات القيمه
انا سعيد جدا لزياره مدونه حضرتك
واعجبتنى هذه المعلومات يشده وخصوصا وانا من هواه المسرح واقوم بالتمثيل فى مسرح الجامعه وانت يا استاذ خالد والاستاذ خالد صالح من مثلى الاعلى فى التمثيل وادعوك بكل تواضع زياره مدونتى واعطاء رايك فى اشعارى

معلش طولت عليك يا استاذ خالد

Teamwork said...

أنا من عشاق المسرح
شكرا ولك منى كل تحية