Saturday, October 17, 2009

منال شلبي (ألبيدا) تعرض مشكورة ديواني القادم نبي بلا أتباع قبل طبعه بأيام

خالد الصاوى والنبوة... فى "نبي بلا أتباع"

النبى والنبوة
كيف أجن؟
كى ألمس نبض الكون المختل
هكذا تسأل الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور, وهكذا أعلن الكون مكاناً مختلاً لا يفهمه إلا المختلين... وهكذا أيضاً تنطلق نبوة خالد الصاوى فى ديوانه "نبى بلا أتباع."
فى هذا الديوان يتحول الصاوى إلى نبى... رسالته الحب والجمال والحرية, واَيته الشعر, ومنهجه الجنون, ووحيه وحدته, وزاده الاَمه. والقارىء لأعمال خالد الصاوى السابقة يعرف أن مطالب كالحرية والحب والجمال ليست بجديدة عليه ولا بغريبة على إنتاجه الأدبى, فالطالما كان باحثاً عن الحرية بجميع أشكالها, منقباً عن الحب باختلاف ألوانه, مفتشاً عن الجمال فى كل الأشياء... ما كبر ومنها وما صغر. ومن هذا الديوان تبدأ الرسالة ويبايع الصاوى نفسه نبياً. وتظهر- كالعادة- روح التمرد المجنون طاغية على الديوان, فالشاعر أدرك- كصلاح عبد الصبور- عشوائية واختلال الكون ويظهر ذلك واضحاً فى "قصائد فى فنجان" التى تتمحور حول خداع الحياة وتهاويها... نحن نخدع بعضنا البعض, نخدع مبادئنا, مشاعرنا تخدعنا ونخدعها, حتى أعضائنا تخدعنا. لذلك أتخذ الشاعر من الجنون منهجاً وأسلوباً لمجابهة تلك الحياة المجنونة, فيشذ عن ناموسها ليستقيم أمرها وينبذ مألوفها ليألف غريبها ويضحى بحياته ليحيا ضحاياها.
والمعروف أن لأى نبى أتباع يؤيدونه وينصرونه على من يرفضه, ولكن الشاعر اختار أن يكون وحيداً, وكأن تلك الوحدة هى مصدر قوته. فالصراع هنا ليس صراع بشرى قائم على اختلاف فى القيم أو المبادىء أو العقائد, وأنما هو صراع مع الحياة ككل! لذلك نجد أن الشاعر أحياناً يتجاوز وجوده المادى ليصبح النبى داخل كل إنسان... الضمير الحى وروح الإله داخل كل منا:
أرقد فيكم.. أنهض فيكم..
أعطيكم تجربة الإِحياءِ.. أريكم روح الأشياءِ.. الخلق.. الخالق..
كيف تكون الزهرة فى أيديكم وتراها عين العقلِ..
تُشَمُّ بأنف القلبِ.. تُلَوَّن ثانية فيكم
تتشكل فى واديكم طفلاً.. طيراً.. وجه امرأةٍ..
أعطيكم لون أمانيكم..
ومما يؤكد ذلك هو تحرر النبؤة من حدود الزمان والمكان وقيود الماديات وتنقلها فى فضاءات الماضى والحاضر والمستقبل. فتارة يعود الشاعر إلى الماضى ويستحضر مواقف من التاريخ الفرعونى والجاهلى والإسلامى والمسيحى والرومانى. وتارة يجوب بنا فى أحداث الحاضر أو غيابات المستقبل ليتنبأ بمصير مظلم. واللافت للنظر هنا هو طريقة استعراض الصاوى لمثل تلك المشاهد الزمانية. فهذه المواقف حقيقية (الماضى والحاضر منها بالطبع) وحدثت بالفعل ولكنه يراها من وجهة نظره... وفى كل مرة, يكون هو شخصاً من أشخاص الموقف, يرصد الحقائق بعينيه ويربطها بخيط شفاف- لكن قوى- بواقعه. فهو الشاعر الجاهلى والقس المصرى والإمبراطور الرومانى فى الماضى, وهو المناضل الفلسطينى فى الحاضر, وهو الشاعر المنبوذ فى المستقبل. اجتمعت كل هذه الشخصيات لترسم الملامح اللازمكانية للنبؤة.

حروف وألوان ودم... وأشياء أخرى
يستخدم الصاوى الكثير من العناصر الخارجية (كائنات حية وأشياء جامدة ذات دلالات مختلفة) للتعبير عن مشاعره, واستطاع أن يضفى عليها الحياة ويبث فيها الروح فأصبحت شخصيات لها دور درامى فى مسرح خيال الشاعر. وفى أحيان كثيرة تتماثل تلك العناصر مع شخصية الشاعر فتتخلى عن دلالاتها وتصبح هى الشاعر نفسه مثل الفراء فى قصيدة "مذكرات فراء" والأسد فى قصيدة "الحصار."
"حروف متحركة" هى واحدة من أجمل قصائد الديوان والتى لعبت فيها الحروف دور البطولة. وهنا يظهر إبداع الصاوى وقدرته على توظيف أبسط الأشياء فى قصائده وتحويلها إلى عناصر مؤثرة نابضة بالحياة. ففى تلك القصيدة تحولت الحروف من مجرد حروف مبنى إلى حروف معنى ... فأصبح كل حرف يعبر عن كينونة مستقلة بذاتها وحالة شعورية مختلفة بتتمثل فى صوت هذا الحرف وتأثيره على الشاعر, تماماً مثل الألوان فى قصيدة "دائرة الألوان" حيث يعبر كل لون عن حالة نفسية بتداعياتها الشعورية.
وقد يلاحظ القارىء كثرة استخدام الصاوى للدم كعنصر أساسي وبطل رئيسى فى هذا الديوان حيث تتعدد صوره وتختلف دلالاته, فالدم بلونه الأحمر هو الموت والحياة والحرب والانتقام والخلاص والعذرية والحب. كما أنه أفرد له قصيدة اسماها "قانون الدم"... فقانون الدم هو قانون الحياة... الدنيا من الميلاد إلى الموت, وما بينهما من حب وصراع ونصر وهزيمة وأمل ويأس.
ومن الجدير بالذكر أن القصائد المكتوبة فى قسم "حفريات" قد ألفها الشاعر وهو دون العشرين عاماً, مما يدل على موهبة مبكرة وخيال فذ.

النبى يحب
أجمل ما فى نبوة الصاوى أن الحب جزء لا يتجزأ منها. فالشاعر يربط الحب بكل شىْ... بأكثر لحظاته سعادة, وأكثرها حزناً.. بالسلم والحرب.. بالنصر والهزيمة.. بالحياة ككل! وكثيراً ما يختلط وصفه للحياة بوصفه للمرأة... فالمرأة هى تلك الغاوية الجميلة المتقلبة... تماماً كالحياة:
فرجعت لأكتبَ قصتَها البنتِ السيدةِ الحالمةِ النعسانة
الابنةِ والأختِ.. الزهرةِ والقاتلةِ الفتَّانة
النطفةِ والقيثارةِ والثرثارةِ والنشوى النشوانة
القبلةِ والتفاحةِ واللدغةِ والطعنةِ والزنزانة
وتتكرر تلك الصورة فى الديوان, ويصبح الشاعر هو الرجل الفانى الذى يريد أن يغرز نطفته فى الحياة قبل أن يموت.
أما عن الصور الجنسية المستخدمة فهى ذات طابع أسطورى بدائى يحمل القارىء على اكتشاف سحر الغريزة الأولى وغموض بدء الخليقة, وتتشابك خطوط تلك الصور راسمة لوحة أبدية لاَدم وحواء.

التطهر من النبوة!
يأتى الجزء الأخير للديوان- "تطهر"- بشكل مفاجىء وصادم للقارىء بما يحمله من مشاعر يأس طاغية. فبعد أن شارك القارىء الشاعر فى نبوته منذ بدايتها وما مر به من تمرد هادف وغضب نبيل ولحظات من الشك واليقين, يفاجأ بإعصار من اليأس المدمر المحموم, بجانب السخرية والتهكم والخلط المتعمد للمفاهيم, ويعلن الصاوى فى "نشيد الختام":
كنت نبياً.. دون رسالة
دون وصايـا..
كنت نبياً.. ثم فقدتُ كتــاب الدينْ!
وكأن تلك النبوة قد أجهضت وهى فى رحم الفكرة وحكم عليها بالبطلان قبل بدايتها. كما أن اختيار اسم "تطهر" لاَخر مجموعة من قصائد الديوان تجعل النبؤة وكأنها أكذوبة وخداع ووهم يريد الشاعر أن يتطهر منه!.... تلك النهاية تترك القارىء مثقلاً بالهموم واليأس, وتقضى على ما حملته القصائد الأخرى من إقدام وعزم.

دراما وتنوع
من أساليب الصاوى المميزة هو خلطه للخيالى بالواقعى. وهذا الخلط فى "نبى بلا أتباع" أضاف حيوية على النصوص بسبب الجمع بين العناصر الزمانية والمكانية والشخوصية المتابينة فى موضع واحد, فأضاف على القصائد عنصرى المفاجأة والدهشة. وضاعف من هذا الأثر الدرامى استخدام الجمل الحوارية على لسان الشاعر أو الشخصيات مما يعطى المواقف طابعاً مسرحياً جذاباً. وتلعب ذات الشاعر دوراً مهماً فى الديوان, فأوقاتاً يتحدث الشاعر عن نفسه بضمير المتكلم- وأن أخفى هويتها- وأوقاتاً أخرى يتحادث معها بضمير المخاطب- خاصة حين يحثها على التمرد ونفض الذل وعدم الخضوع- ويدخل فى حوار ملتهب معها.
يلاحظ القارىء أيضاً كثرة الجمل الإعتراضية. والجمل الإعتراضية جاءت لتعبر عن التداعى الفكرى للشاعر مما أضفى على القصائد نوعاً من المصارحة والتلقائية والمصداقية, ولكن أحياناً أخرى كان الهدف منها الإمعان فى الوصف الذى طغى على جمال الجملة الشعرية.
اختيار الصاوى للغة كان موفقاً للغاية, حيث إنه استخدم لغة لدنة تتشكل حسب مضمون القصيدة وهويتها. فكما سلف الذكر يحتوى الديوان على قصائد عديدة تجوب فضاءات مواقف من الماضى والمستقبل والحاضر وتعرض ألواناً مختلفة من المشاعر, فمثلاً نجد بعض القصائد تحمل طابع الشعر الجاهلى, وأخرى تحمل الطابع القراَنى وأخرى الطابع الإنجيلى وهكذا. هذا بجانب الإحالة إلى سور من القراّن الكريم وأبيات من الشعر العربى القديم- لأبى فراس الحمدانى وامرىء القيس على سبيل المثال- كما تنوعت أشكال القصائد أيضاً بين عمودى وتفعيلى ونثرى لنفس السبب السابق.

ختام
وسواء نجحت النبوة أم بأت بالفشل, وسواء لاقى النبى حتفه شهيداً أم رجيماً... يظل ديوان "نبى بلا أتباع" خبرة شعورية وشعرية تستحق التقدير والاهتمام, وتضع خالد الصاوى فى مصاف الشعراء المبدعين.

منال شلبي
12\10\2009

15 comments:

albida said...

:)

مبروك على صدور الديوان وعقبال اللى جاى أن شاء الله
ومن نجاح إلى نجاح

منال said...

شكرا لمنال شلبي نشرهالهده المقالة التحليلية لديوان نبي بلا اتباع فهي حللت معاني الديوان بشكل سلس مما يشجع على قراءته واحييها على مهارتها في النقد والتحليل اتمنى ان تستمر في هدا المجال...انت انسان جميل يا خالد لانك تشجع موهبة ادبية شابة مثل منال من خلال مدونتك...تحياتي...منال.المغرب

Zeina Ramadan said...

Khaled.
They‘re LUCKY those who’ll be able to read your “نبي بلا أتباع”.
Manal thanks a lot for your DEEP and BEAUTIFUL analysis (and thanks for letting call you Manal without formalities).
Zeina

leeno said...

زادت لهفتي لقراءة الديوان اكتر و اكتر

مستنية نزولي مصر عشان اجيبة لانه مش متوفر عندي

شكرا لمنال و للفنان خالد

albida said...

شكراً ليكم كلكم بجد... أخجلتم تواضعنا والله
:)
أهم حاجة بالنسبالى أن المقال يكون عرض فكرة الديوان- من وجهة نظرى- دون أن يفرضها وعبر عنها بأسلوب بسيط. وصدقونى الديوان رائع وهتستمتعوا اكتر لما تقروه

وشكراً لخالد طبعاً فى المقام الأول لأنه بيستحمل وبينشر مقالاتى المتواضعة على البلوج
:D :D :D

Just Smile said...

السلام عليكم

مش قادرة اوصف كم اعجابي بكتابات حضرتك وشكل الديوان ماشاء الله هايل

بس ممكن تفاصيله يعني دار النشر بتاعته والمكتبات ف القاهرة مثلا اللي هيتنشر فيها عشان احاول اجيبه وانقده انا كمان واقول رأيي

مدينـة من النسـاء said...

أراه ما فعل إلا أن جمع جمال الحرف والإحساس بين ضفتي غلاف
رأيته هنا بموجز رائع قدمتيه ( منال شلبي )
وببعض رؤى أظهرتيها بين السطور
ديوان كـُتب فقط ليؤكد .. لا لـ يبين قدرته على تجسيد الإحساس

شكراً لكـِ .. و .. له

donya said...

اول زياره للمدونه وان شاء الله مش هتكون الاخيره

والحقيقه عرض منال للديوان في مقاله رشيقه وجميله
خلاني اكون متشوقه للديوان
ان شاء الله اجيبه واقراه وبعدين ارجع تاني اعلق

مبروك الديوان

عقبال اللي بعده

albida said...

شكراً بجد على تعليقاتكم المشجعة دى
:) :)

الديوان نزل من خمسة أيام كده تقريباً وصدر عن دار "دون" ودى أمكان توزيعه "أنا سرقة المعلومات دى من الجروب الرسمى عال
Facebook"
:D

أماكن توزيع نبي بلا أتباع

.•¨¯`•. ¸¸.•¨¯`•.¸¸.•¨¯`•. ¸¸

القاهرة :

-------------------------------

جميع مكتبات الشروق


الكتب خان

شارع اللاسلكي بالمعادي



عمر بوك ستور

التحرير أعلى مطعم فلفلة



البلد

التحرير أمام الجامعة الأمريكية



نفرو
بوسط البلد

.•¨¯`•. ¸¸.•¨¯`•.¸¸.•¨¯`•. ¸¸

الإسكندرية :

-----------------------------

مكتبة الشروق

سان ستيفانو



مكتبة رافي

- 5 شارع 302 أمام مطعم جاد – سموحة


احمد الابيض

محطة الرمل

.•¨¯`•. ¸¸.•¨¯`•.¸¸.•¨¯`•. ¸¸


المنصورة :
-------------------------
مكتبة بوكس آند بينز- شارع جزيرة الورد


بنها :
---------------------
مكتبة المعارف ( أبو شنب ) - الطريق السريع بجوار دونتس


المنوفية :
----------------------

مكتبة شريف قطب - برج الفلاح - قويسنا


طنطا :
-----------------
مكتبات ميدان المحطة


دمنهور :
--------------------
مكتبة محطة القطر

Samar said...

شوف حضرتك انا بدخل المدونة دي بقالي كتير بس عمري ماعلقت ماعرفش ليه
وحبيت بس اقولك انك بجد انسان متميز في كل حاجة بتعملها (:

مواطن مصري said...

رائعة جدا

مبروك الفلم رائع جدا و عجبتني الفكرة و القصة

SisSiwar said...

في الحقيقة أعجبني ما كتبت منال شلبي و كانت ذكية جدا بحيث أنها بعثرت في دفاترحب الإطلاع التي يمتلكهاكل قارئ له حس،شكرا منال هذا النبي قد يُخيل له أنه وحده لكن في الحقيقة هو مزيج من الأرواح منهم روحي وخيالي. لن أقول بأنني بصدد قراءة أشعار الصاوي و إنما أنا بصدد الإبحار في ذاتي.سوار

SisSiwar said...

لا تمل مني أستاذ خالد فهذا تعليقي الثاني. مشكورة منال ما كتبته قوي و مشجع على الغوص في أعماق بحارك.سوار

Perihan said...

A sincerely complementing review, which brings us back to what I felt,when I first read the Title "Nabii Bila Atba3" : A mystic Title that says it all !!!
A boundlessly inspiring Title as inspiration is colourless, timeless, borderless !!!
An immensely deep Title that echoes
beyond !!! Kudos Herr Elsawy

Anonymous said...

كان بقالى كثير كثير بدور على الديوان خصوصا بعد قراءة مقال منال اكثر من مرة واخيرا لاقيتة فى معرض الكتاب

ابعدتى يا منال فى تحليلة حقيقى الديوان كلة روعة امواج تاخدك وترجعك بهجة وحزن وتحدى وامل حاجة فوق الوصف سلمت اناملك يا خالد
اول الديوان قصيدة سارة حابتها قوى وكانها تجربة شخصية ولفت نظرى انها متارخة 1979 دى بيدينى انا فكرة انك موهوب بالفطرة حقيقى *ميرسى يا ريس على امتاعك لينا
سار